محمد أبو زهرة
310
المعجزة الكبرى القرآن
بالسامية أو الآرية ، إنما الإكرام بالعمل لخدمة الإنسانية وإن النصوص القرآنية كلها تدعو إلى التراحم بين الناس ، فاللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( 1 ) [ النساء : 1 ] . ونص القرآن على الوحدة الإنسانية ، فقال تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [ البقرة : 213 ] . العدالة الدولية 186 - والعدالة كما تكون بين الآحاد تكون بين الجماعات والدول ، فقد قامت العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس العدالة . فلا يظلمون شيئا ، ولا يمنعون من خير ، والناس جميعا نسبتهم إلى اللّه واحدة ، لقد كانت الدول حتى التي بلغت شوطا من الحضارة في عهد نزول القرآن كالفرس والرومان واليونان لا تعترف بأي حق لغير المستوطنين معهم ، فغيرهم يعدون برابرة ، وليسوا منهم في شئ ، حتى أن الإسرائيليين الذين يعيشون في حكم الرومان لا يعتبرون رومانيين ، ولا يمنحون هذه الرعوية وتلك الجنسية ، باعتبار أن الجنسية الرومانية شرف لا يحوزه إلا الرومان ، وكذلك كان الفرس . وإن من يعيش في بلد آخر يسترقونه ، حتى أن أفلاطون جرى عليه الرق ، وعمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه قبل الإسلام قد ذهب إلى أرض الروم فاسترقه قسيس روماني ، وأظهر عمر الاستسلام ، حتى اطمأن إليه القسيس وخرج معه إلى الصحراء في أرض الشام ، فلوى عمر رقبته - وكان قويا في بدنه ، كما صار من بعد قويا في دينه - وقتله ، وهرب بحريته . جاء القرآن الكريم فحارب التعصب القبلي ، والتعصب الجنسي ، والتعصب الإقليمى ، وجعل الناس كما رأيت أمة واحدة ، لا فرق بين عربى وغير عربى ، كما أشرنا . وقامت بذلك العلاقة الدولية على أسس العدل ، قال تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) [ البقرة : 190 ] ، وقال جل وعلا : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) [ البقرة : 194 ] . وقال تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النحل : 126 ]